بسم الله الرحمن
الرحيم
العمارة و العروض
( النسبة الشعرية )
مقدمة :
لطالما حيّرتني دقّة أجدادي العرب في ضبط إيقاعاتهم هذا
الضبط البليغ في أشعارهم مع كونهم أمّة أميّة لم يكن لها سابق علم بالنظريات الرياضية
أو الحسابية , بل وحتى على حد علمي لم يكن النغم العربي في العصر الجاهلي على درجة
معتبرة من التطور والتقدم , ومن الواضح أن هذا الضبط المعجز الذي سبق علم العروض
وعلم النحو لم يكن له من ضابط وقيد غير الإحساس العالي والذوق المرهف , غير أنني
أزعم والله تعالى أعلم أن هذه الأذن الموسيقية لم تكن وحدها المسؤولة عن هذا الضبط
السمعي إذ لا بد من اشتراك حواس أخرى في ضبط هذا الإحساس للوصول إلى مثل هاتيك
الدرجة من الدقة بل لعل الحواس كلها كانت مشتركة معا بما فيها الحاسة السادسة
والسابعة .....إن وجدت.
تركيب المخ البشري في ضوء القرآن:
نقلاً عن مقالة للدكتور / حسين رضوان اللبيدي في موقع
موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة :
من خلال
دراسة متأنية لآيات السمع والبصر والفؤاد في القرآن الكريم
لا حظ رجال
التفسير على مر العصور ما يأتي:
1.
السمع يتقدم على البصر
في كل القرآن الكريم.
) وجعلنا لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ([النحل: 78].
) ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة
فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله
وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون) [الأحقاف: 26].
2.
السمع يأتي على
الإفراد والبصر يأتي على الجمع.
3.
الفؤاد يأتي دائماً
بعد السمع والبصر.
) وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون ([المؤمنون: 78].
4.
( بكم ) تأتي بين (
صمّ ) و ( عمى ).
) صمّ بكم عميٌ فهم
لا يرجعون ([البقرة: 18] .
وقدم رجال
التفسير اجتهاداتهم في هذا المجال فقالوا:
إن تقدم
السمع على البصر لشرف السمع أو لشرف الأذن، فالأذن تسمع من جميع الجهات وهي أداة
التلقي للوحي ويمكن استدعاء النائم من خلالها.
ورد في
تفسير القرطبي:
قال
أكثر المتكلمين بتفضيل البصر على السمع لأن السمع لا يدرك به إلا الأصوات والكلام
والبصر يدرك به الأجسام والألوان والهيئات كلها.
ويقول
الآلوسي في تفسيره:
والحق
أن كل الحواس ضرورية في موضعها ومن فقد حساً فقد علماً وتفضيل البعض على البعض
تطويل من غير طائل.
إذن فكرة تقديم
السمع على البصر لشرف السمع مردودة أو لا تستند على أرضية صلبة، وعلى الرغم من ذلك
لم يكن لها بديل.
وكانت
المفاجأة والتي وجهت الأنظار إلى السر المذهل وراء تقديم السمع على البصر، هي
الآيات التي جاء فيها ذكر ( العين ) و( الأذن )، ففي هذه الآيات نلاحظ أن )العين) تتقدم (الأذن ) على عكس السمع والبصر.
ففي سورة
الأعراف: [آية 179]:
) ولقد ذرأنا لجهنم
كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان
لا يسمعون بها (.
وفي الآية
[195] من الأعراف، نجد:
)ألهم أرجل يمشون بها
أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها (.
وفي
المائدة: [ آية: 45]:
) وكتبنا عليهم
فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن (.
فإذا كان
السمع يتقدم البصر في الآيات السابقة فإن العين تتقدم الأذن في هذه الآيات، فلو
كان التقديم للتشريف لتقدمت الأذن على العين كما تقدم السمع على البصر لأن الأذن
أداة السمع والعين أداة البصر.
إذن
فالقضية ليست قضية شرف عضو على عضو بل هي شيء آخر، بل قل إنها معجزة علمية بكل
المقاييس فلقد وجد العلماء أن هناك مراكز للسمع داخل المخ البشري يتم فيها إدراك
المسموعات وعقلها وهناك مراكز للبصر داخل المخ البشري يتم فيها إدراك المبصرات
وعقلها وأداة مركز السمع هي الأذن التي تجلب إليها الأصوات وأداة مركز البصر العين
والتي تجلب إليها الصور.
ومع أن
العين تتقدم الأذن في رأس الإنسان فإن مركز السمع يتقدم مركز الإبصار في مخ
الإنسان تشريحياً.
وهنا ظهرت
المعجزة العلمية الباهرة فالترتيب المكاني للسمع والبصر في الآيات يأتي وفقاً
للترتيب المكاني لمراكز السمع والبصر في مخ الإنسان. ولكن الإنسان بالإضافة إلى
أنه سميع وبصير له
المقدرة على إنتاج البيان البشري الراقي ولقد وجد علماء المخ أن هناك منطقة بين
مركز السمع من الأمام ومركز البصر من الخلف تسمى منطقة فرنيكا
فعندما يلتقي مركز السمع مع مركز البصر فإن المنطقة البينية تشكل مكان إنتاج
البيان البشري وها هي الآية )صم بكم عمي
(تشير في إعجاز باهر إلى منطقة البيان في
مخ الإنسان ( فبكم ) والتي تقع بين ( صم ) من الأمام و( عمي ) من الخلف تشير إلى
منطقة البيان في المخ بين مركز السمع من الأمام ومركز البصر من الخلف.
وإذا كان
الصمم هو تعطيل السمع، والعمى هو تعطيل البصر، فيكون البكم هو تعطيل البيان.
ولأن
الموصوفين بـ )صم بكم عمي
(هم الكفار الذين
يتمتعون بسمع جيد وبصر حاد ولسان مبين، فإن ( صم ) هنا تعني تعطيل عقل السماع و(
عمى ) تعني تعطيل عقل البصر، فتكون ( بكم ) آفة عقلية خاصة بعقل البيان.
وقدمت
الآية 76 من سورة النحل دعماً لذلك:
) وضرب الله مثلاً رجلين
أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي
هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم (.
إذن فكأن (
بكم ) تشير إلى منطقة البيان بين مركز السمع ومركز البصر في المخ.
ومعنى (
بكم ) واستخداماتها في القرآن يشير إلى وظيفة مركز البيان داخل المخ البشري.
ونتوقف هنا
لنرسم ونحدد المناطق التي أشارت إليها الآيات الخاصة بالسمع والبصر والبيان وبعدها
نسأل هل المناطق العقلية العليا في مخ الإنسان تقتصر على السمع والبصر والبيان وما
يتعلق بهم من ذاكرة
؟.
وقد وجد العلماء أن هناك مركز رئيسي للبيان داخل المخ البشري يقع
بين مركز السمع والبصر
نلاحظ مما ورد في المقالة السابقة أهمية العلاقة بين السمع
والبصر في إنتاج البيان وأضيف على ما تقدم وجهة نظر في توضيح إتيان السمع على
الإفراد والبصر على الجمع : لأننا لا يمكننا أن نسمع أكثر من واحد للفهم في نفس
اللحظة ، ولكننا نستطيع أن نبصر كثيرا من الأشياء ، فجاءت المطابقة بين الألفاظ
والمعاني والله تعالى أعلم .
على ما تقدم سوف نحاول أن نرى فيما يلي بإذن الله العلاقة
بين الإيقاع السمعي والإيقاع البصري وأثر ذلك في الشعر والبيان.
الإيقاع السمعي والإيقاع البصري :
إذا أردنا تحقيق ما تقدم فربما توجب علينا مراقبة وتحليل
علاقة حاسة البصر مع حاسة السمع , أو بمعنى آخر تحويل الإيقاع البصري إلى إيقاع
سمعي وبالعكس للتأكيد على أن هذا الإيقاع أو ذاك الذي انحفر في وجدان الشاعر
العربي لم يكن يسمعه فقط بل كان يقرأه أيضا في محيطه الذي نشأ فيه , ومع أنني كنت
أتمنى أن أضع يدي على بعض عناصر البيئة الحقيقية التي نشأ فيها العرب لتحليل نسب
هذه العناصر ومقارنتها مثل ربما بعض الخزفيات أوالمنسوجات أو حتى أدوات الصيد ...
حتى أنني فكرت في تحليل نسب الخيول أو الجمال مثلا إلا أن عدم توفر مثل هذه العناصر بين يدي جعل من ذلك مهمة صعبة
بعض الشيء و رغم اقتناعي بأنني يمكن أن أخلص من الفكرة السابقة بنسب مثيرة
للاهتمام إلا أنني اخترت مهمة أسهل و أقرب إلى مجال عملي وهو العمارة ذلك أن الفن
المعماري يعكس للعين وجدان الحضارة كما يعكس ذلك للأذن شعرها وقصائدها .
النسبة والإيقاع :
النسبة ... نعم عزيزي القارىء هي النسبة مربط الفرس , وهي
المفتاح الحقيقي لضبط تتابع الأشكال وتعريفها كما أن الإيقاع هو المفتاح لضبط
تتابع الأصوات , وهنا بالضبط تكمن الخدمة الجليلة التي قدمها لي العروض الرقمي ,
ذلك أنه أوجد لي حلقة الوصل بين هذا وذاك ألا وهي الأرقام لأن الأرقام هي لغة
النسبة , وبعد ذلك أصبحت المهمة سهلة وبسيطة وعبارة عن قراءة واستنتاج .
وكأن العروض الرقمي بشموليته لم يقتصر بالأرقام على توضيح
الإيقاع السمعي ولكنه أيضا من خلال هذه الأرقام فتح المجال أمام قراءة النسب
المتواترة في الأشكال التي تولد الإيقاع البصري كما يولد تواتر الصوت الإيقاع
السمعي , ولا شك من أن قراءة مثل هذا الإيقاع من خلال تفعيلات الخليل لا بد أن يمر
تحت قنطرة العروض الرقمي الذي أبى
بشموليته إلا أن يحاكي ما يشمل هذا السمع وهذا البصر معاً ألا وهو العقل .
الهدف والفائدة :
قبل أن أسترسل في عرض الأهداف من مثل هذه الدراسة لا بد لي
من أن أذكر أن هناك من سبقني لقراءة مثل هذه العلاقة السمعية البصرية بعيدا عن
موضوع النسبة , ربما في بللورات الثلج ومنسوجات الأسهم الملونة وغيرها,ومع
احترامي وتقديري لهذا المجهود العظيم إلا أنني أريد أن أصل في دراستي هذه إلى
هدفين أو فائدتين وهما :
1. أن هذا الإيقاع الشعري الذي استطاع أن يعيش هذه
الفترة الطويلة من الزمن و يؤكد نفسه من دون تغيير أو تحريف رغم المحاولات العديدة
التي ظهرت ولا تزال تظهر ونادت بالخروج عن هذا القالب الذي سمّوه خليلي واتهموا
مناصريه بالجمود ... أقول أن هذا الإيقاع هو في مرحلة أعلى من مجرد استحسان فردي
أو حتى مجموعاتي بل هو إيقاع مؤصل في أصل الطبيعة والنفس وهو بعد هذا وذاك لم يكن
مسموعا فقط بل كان منظورا أيضا بل ربما كان هذا الإيقاع وليدا عن مشاهدات بصرية
وإصغاءات سمعية أُخذ منها كما أُخذت تسميات هذه البحور من حركات مشي الإبل في
الصحراء مثلا كالرمل والمديد والبسيط .... الخ .
2. إذا كان هذا الإيقاع ثابت في وجدان الإنسان
عامة والإنسان العربي خاصة فلماذا لا نستخدمه في صورته البصرية لتحقيق الجمال والراحة
, وسوف نعرض لهذا إن شاء الله تعالى بمزيد من التفصيل لاحقا .
والمتطلع إلى هذين الهدفين يلاحظ أن الهدف الأول منهما يقوم
على تحويل الإيقاع البصري إلى سمعي في حين يتولى الهدف الثاني المهمة المعاكسة وهي
تحويل الإيقاع السمعي إلى بصري .
وهكذا إذا قررنا الفائدة الأولى فإنه من المحال لعين العربي
المجردة في الصحراء أن تقرأ تتابع أشكال بللورات الثلج مثلا وهي لا تفيدنا هنا إلا
اللهم إذا أردنا أن نقول من خلال هذه اللبلورات أن هذه الأرقام متكررة ومؤصلة في
الطبيعة – وأنا من مناصري هذه المقولة – مثلنا في ذلك مثل دعوى أصحاب نسبة
فابينوتشي في النسبة الإلهية وسنأتي على ذكرها إن شاء الله تعالى .
هذه دعوة للتدبر في هذه الآيات الإيقاعية التي تكشف وجه
الشبه بين إيقاع بعض البللورات في الطبيعة وإيقاع بعض بحور الشعر العربي وفي هذا
جواب على المنادين بالتخلص من إيقاعات الشعر العربي كما أن فيه دعوة لنشكر الله
على ما اختص به هذه اللغة وعلى مواصلة البحث لاستكشاف المزيد من أسرار هذه اللغة
وجمالها / أ. خشان
من جهة أخرى فإن الجهد العظيم الذي قامت به الشاعرة راضية
العرفاوي مشكورة من خلال تقديم العروض الرقمي تشكيليا ما زال يحتاج إلى تأويل وفك
للرموز وفيما يلي أورد رأي للشاعرة نفسها طرحته في منتديات بيت الفن تحت عنوان مراحل قراءة الأثر الفنّي تشكيليّا / ( اللوحة التشكيليّةّ )
, تشرح فيه : التاويل ومحاولة فكّ الرموز
والدلالات بقولها : البحث عن ماوراء الظاهر ( المعنى البعيد ) من خلال الكشف
عن طرق المعالجة التشكيليّة والتميّز والتجديد بالمقارنة
مع التيّارات التشكيليّة والمفاهيم السائدة في عصرما .. فكّ الرموز والدلالات التاريخيّة والفنّية ، نوايا الفنّان ، الرسالة
المراد تبليغها .. إنّ مرحلة التأويل و إعادة البناء بعد التحليل
والتفكيك تتطلّب وجود معرفة تشكيليّة تضمن تملّك أدوات و آليات قراءة ذات مرجعيّة
فنّية , هذا المخزون المعرفي يتأتّى من خلال تحريك
" المتحف الخيالي " أو لنقل متحف الذاكرة وهو توليفة المخزون المعرفي (
البصريّة ، الحسّية ، المهاريّة ،
الوجدانيّة .. روافد ثقافيّة مختلفة ) . انتهى قول الشاعرة .
ولكن استقراء الشاعر العربي لمثل هذا الإيقاع ( من حيث يدري أو لا يدري ) في بيئته المحيطة يحتاج إلى عناصر أكثر وضوحا
وبما أن عناصر العمارة العربية تقريبا معروفة بأقواسها وقببها ومقرنصاتها و .....
ما إلى ذلك فأنا أحاول أن أقرأ في هذه العناصر قصائد عربية .
العمارة الشاعرية :
حتى لا نطيل أكثر من ذلك في هذه الفلسفة النظرية دعونا ننظر
معا على سبيل المثال إلى هذه المظلة الشاعرية التي يمكن أن تكون موجودة مثلا في
أحد حدائق الخلفاء أو الأمراء ...
منظور المظلّة
هذه المظلة هي مظلة شاعرية ليس فقط لأنها يمكن أن تكون
مكانا لتجمع العشاق والمحبين , بل لأن نسبها المعمارية شعرية إن صح التعبير
ولنحاول أن نقرأ ذلك بشيء من التفصيل , ولنبدأ على سبيل المثال بتحليل هذا القوس
المتكرر الذي يظهر في الشكل التالي الذي يمثل الواجهة الجانبية ومن ثم نعرّج على
باقي العناصر واحدا تلوالآخر ...
الواجهة الجانبية
التحليل العروضي للعمارة :
نلاحظ معا أن نقاط التغيير في هذا القوس توّلد النسب
التالية 3 2
3 4 ( بالطبع لا يخفى على القارئ
أن هذه الأرقام ليست أمتارأو سنتيمترات أو ... بل هي وحدات نسبية ) وكما يعرف
أبناء العروض الرقمي فإن تتابع هذه الأرقام موجود تماماً في دائرة المختلف التي
تحوي الطويل والبسيط والمديد , ويكأننا نستطيع أن نطلق على هذا القوس تيمناً
بألقاب الخليل قوس المختلف ... ويكأننا نرى في طرفي هذا القوس شطرين لبيت شعري من بحر
البسيط أو بحر الطويل !
تساؤل :
وقبل ان نسترسل في هذه التصورات دعونا نجيب عن التساؤل الذي
يقول :
ولكن أليس أي تتابع آخر
يمكن أن يوّلد أقواساً و أشكالاً جميلة ؟ !
أقول مجيباً عن هذا التساؤل ربما وذلك لسببين :
1. لأن موضوع الجمال نسبي .
2. لأن النسبة المقبولة لا تتعلق بالإتجاه
الشاقولي وحده أو الأفقي وحده , بل هي تناغم مشترك بين المحورين الأفقي والشاقولي
.
نلاحظ أن أرقام النسب في
الإتجاه الأفقي توافق أرقام فيبوناتشي.
ولكن لماذا لا أستفيد أنا من هذا الإيقاع / النسبة / طالما
أنها محببة ومستساغة هذا إذا افترضنا أن النسب الأخرى يمكن أن تُشكّل بأشكال جميلة
... لأن الشكل الذي يناسب هذه النسبة من الممكن أن يتشوه أو على الأقل يعطي شكلاً
أقل استساغة إذا خالف هذه النسبة والدليل على ذلك ... لدى عرضي المجموعة التالية
من الأقواس على عدّة مهندسين - ولكم أن تشاركوهم التقييم - اجتمعوا جميعا على أن
القوس رقم 3 ( قوس المختلف ) صاحب أجمل نسبة
وما أريد أن أقوله بصيغة أخرى وبسيطة , أنه إذا قمت مثلا
بتصميم واجهة معينة مستخدما هذه النسب الشعرية فإن الناظر إلى الواجهة سيشعر براحة
وقبول لهذا التصميم أكثر مما لو استخدمت نسب عشوائية .
مثل هذه النسب كانت على الدوام هاجس المعماريين والفنانين و
حتى النقّاد وتعرف باسم النسبة الذهبية , ونظرا لأهمية موضوع النسبة الذهبية وكثرة
تشعبه فسوف أحاول أن أعرفه بشكل سريع قدر الإمكان وأذكر منه ما يفيد ويتقاطع مع
الموضوع في بيان أهمية موضوع التناسب في تعيين الجمال .
النسبة الذهبية
Φ :
النسبة الذهبية أو Φ هذه التدوينة تهم كل من يملك موهبة فنية، في
التصوير والرسم والعمارة والديكور وغيرهم ممن يصنعون الأشياء الجميلة. كما تهم كل
مفتون بالجمال وباحث عن أسراره. إنها تتناول سراً رياضياً خطيراً اكتشفه الإنسان
القديم، نسبة رياضية بسيطة تبدع الأشياء الجميلة ! نسبة رياضية تجعل الرسمة
أخّاذة، والصورة جذابة، والمبنى فاتناً. نسبة رياضية ألهمت الفنانين من كل صوب،
فصارت تقوّم أشكالهم وأعمالهم فتجعلها جميلة ساحرة تشد الأبصار فتسر الناظرين.
خلال
اشتغال اليونانيين في العلوم والفنون، جاء عالم الرياضيات “ أقليدس” واكتشف
النسبة الذهبية، إذ هي عبارة عن تناسب أطوال: أن تكون نسبة الطول كاملاً للجزء
الكبير منه، مثل نسبة الجزء الكبير للصغير، ببساطة !
ملاحظة إقليدس كانت وليدة انتباهات لعلماء سبقوه، وقد اهتم
بها علماء لحقوه كذلك، وتبين مع الدراسات والتجارب أن وجود هذه النسبة الذهبية في
الأشكال والأطوال والتقسيمات يغدو أجمل في نظر الناس، وفي نظر الفنانين فإن النسبة
الذهبية هي الأجمل في تنظيم وترتيب أجزاء العمل الفني. إن هذا يفتح باباً
للتساؤلات: هل التذوق الجمالي الإنساني - مع تنوعه - خاضع دائماً لنسب رياضية ؟
مرة أخرى نجد الإنسان والأرقام قريبين من بعضهما.
ولكن من فيبوناتشي هذا الذي مرّ معنا سابقا ...؟
فيبوناشي هو ليوناردو
فيبوناشي عالم الرياضيات الإيطالي الذي ابتكر السلسلة التي أصبحت تعرف فيما بعد
باسمه وهي تستند
على
النسبة الذهبية أو phi ( الشأن في ذلك شأن العديد
من ابتكارات و نظريات الحضارة العربية والإغريقية نسبت فيما بعد لعلماء عصر النهضة
وأصبحت مرتبطة باسمهم , ولا حول ولا قوة إلا بالله )
ليوناردو
فيبوناشي
سلسلة فيبوناشي هذه هي سلسلة أرقام تبدأ بـ 0 ومن ثم 1, ثم
كل رقم يأتي في السلسلة يكون نتيجة جمع الرقمين السابقين له كما يلي :
0, 1, 1, 2, 3, 5, 8, 13, 21, 34, 55, 89, 144, . . .
و بقسمة كل عنصر على سابقه (بداية من الـ1 الثاني)، نقترب
شيئا فشيئا من الرقم الذهبي حيث قيمة φ التقريبية هي 1.618
و في عصر
النهضة ، استعمل العديد من الرسّامين ( مثل " بييرو ديلاّ فرانشيسكا "
أو " ليوناردو دا فينشي " ) المظاهر الجمالية المرتبطة بالرقم الذهبي في
لوحاتهم. و قد أبرز " دا فينشي " كذلك كتابا يبيّن الخصائص الرياضية و
الجمالية و العجيبة للرقم الذهبي و يسمى هذا الكتاب " De divina proportion " ( أو التناسب الإلهي ) و قد ألفه كاهن إيطالي إسمه "
فرا لوكا باشيولي ".
و يظهر الرقم الذهبي كذلك في الميدان الموسيقى
ذلك أن صانع الكمانات الإيطالي " أنتونيو ستراديفاري " استخدم هو الآخر
هذا الرقم في صنع كماناته الشهيرة مع نهاية القرن السابع عشر للميلاد.
وفي القرن العشرين ، اهتم العديد من المهندسين
و الرسامين بالرقم الذهبي في انجازاتهم ، و بالخصوص المهندس الفرنسي " لو
كوربوسييه " والمهندس " ماريو بوتا " و الرسّام الإسباني "
سلفادور دالي ". ونورد فيما يلي أمثلة سريعة عن استخدام النسبة الذهبية في
الفنون والعمارة ...
التقسيم
الذهبي إستعمل على نطاق واسع من قبل
Leonardo Da Vinci ويمكن
ملاحظة الابعاد
الرئيسية للغرفة والمنضدة في لوحة "العشاء الاخير"
والمستندة على
التقسيم الذهبي
حتى
ان الرسام الفرنسي Georges Pierre
Seurat قال
انه سوف يقوم بمهاجمة كل من لا يعتقد بالنسبة الذهبية كما صور لنا في لوحته هذه
ويظهر
مبدأ التقسم الذهبي المستند اليه في اللوحات من هنا
حيث
أن الأفق يبدأ تماما من القسم الذهبي لارتفاع الصورة , وإن الأشجار والناس موضوعون
في الأقسام الذهبية من القسم الصغير للوحة .
وفي
لوحة "العشاء الديني الاخير" اعتمد Salvador Dali على المستطيل الذهبي بعد ان قدمها Da Vinci حيث وضع المنضدة بالضبط في القسم الذهبي لارتفاع
صورته و وضع
التابعين في جانب السيد المسيح ( حسب زعمهم ) أيضا بالاقسام الذهبية
وللبحث
في روائع هذا الرقم او هذه النسبة في مجال الفن المعماري نجد اثرها الكبير وخاصة عن القدماء
المصريين في تصميمهم
للاهرمات
القديمة
وقد
استعمله اليونانين في نطاق أوسع مما اضفا جمالية واسعة على عماراتهم وفنهم المعهود عليه منذ القدم
وقد
عرف فنانو عصر النهضة من وقت
Leonardo Da Vinci النسبة القديسة كما زكرنا مسبقا واستعملوه في تصميم نوتردام
في باريس
وفي
عصرنا هذا نجد استمرار استعماله في الهندسة المعمارية الحديثة كما في بناية الامم المتحدة
ويجب
علينا ان لا ننكر الفن المذهل في كل ما ورد من الفن المعماري الذي استخدمت فيه النسبة الذهبية ( سواء بقصد
أو من غير قصد ) وطموحي أن تستخدم النسبة الشعرية يوما ما وعن قصد في تصميم
مبنى ما .
النسبة الشعرية :
أمر الجمال وتذوقه محيّر جدا , لأن الأراء
والأذواق مختلفة , وأنا لا أقول أن الجمال عشوائي وليس له ضابط أو لا يخضع لقانون
, بل هو يخضع لقانون لكن هذا القانون ليس واحدا بل هو مجموعة مقاييس , فأنا أزعم
اليوم والله تعالى أعلم أن هناك عدة نسب ذهبية
... فالنسبة الذهبية عند تصميم الأثاث مثلا يمكن أن تستوحى أو تستنبط من
تناسب أعضاء الجسم الإنساني مثلا لأنها سوف تُستخدم لإراحة هذا الجسم , أما النسبة
الذهبية لتصميم واجهة مبنى مثلا فيمكن أن تستنبط من الإيقاع الشعري لأن هذا
التصميم مستخدم لإراحة الروح التي تقبلت هذا الإيقاع , اللهم إلا إن كانت هذه
النسب تتقاطع أيضا مع بعضها البعض بشكل أو بآخر ولعل هذا يمكن أن يكون موضوعا لبحث
آخر.
عناصر العمارة العروضية :
نذكر منها ما يلي من وحي المظلة الشاعرية :
أعمدة العروض :
بالعودة إلى تحليل عناصر هذه المظلة الشاعرية دعونا
نلقي نظرة على الأعمدة التي تحمل الأقواس السابقة ونمعن النظر في نسبها ... فإننا
سنرى نسبة تاج هذا العمود كما يلي :
بالتأكيد يعرف أبناء العروض الرقمي أن هذه
الأرقام وبنفس هذا التتابع موجودة في جدول بحور الشعر لتعرف لنا بحر الخفيف ,
وعليه أقترح مثلا أن نطلق على هذا العمود عمود الخفيف
ظهرت خلال التاريخ المعماري العديد من الأعمدة
التي اشتهرت بين الناس و استطاعت أن تعمر وتتواجد على مر الزمان في العديد من
المباني , كالأعمدة الدورية والكورنثية والأيونية التي تعود إلى الحضارة
الإغريقية , أو التوسكانية التي تعود إلى الحضارة الرومانية , أو حتى عمود اللوتس
الذي يرجع إلى الحضارة الفرعونية ...
|
|
|
|
|
Tuscan |
وبغض النظر عن مدى تناسق وتناسب هذه الأعمدة
وجمالياتها إلا أن عمودنا اليوم يمتاز عن هذه الأعمدة بأنه عمود حي ... و كيف ذلك
؟! لأن هذه الأعمدة ذات شكل ثابت لا تخرج عنه , في حين أن عمود الخفيف على سبيل
المثال متغير ويمكن أن يأتي بعدة أشكال طالما أنه يحافظ على نفس النسبة , وكمثال
على ذلك لننظر معا إلى قاعدة هذا العمود ...
وهنا يجب التنبيه إلى ضرورة الانتباه لاتجاه السهم في
الرسومات ومع أن القراءة بعكس اتجاه الأسهم تقودنا ربما إلى بحور مهملة إلا أنها
لا تخرج بنا على ما أظن عن دوائر الخليل رحمه الله
ومرّة أخرى وكأن
تاج هذا العمود وقاعدته تمثلان شطرين لبيت شعري ...
عمود آخر لبيان الفرق بين الأعمدة العروضية ومدى حيويتها ,
و لنحلل هذه المرة العمود الذي يحمل قوس المدخل وننظر إلى نسبه ...